مرات عمي غلطت مع عمي وخلفوا ولد بعد أقل من ٦ شهور من جوازهم، ومن ساعتها أهلها قاطعينها ومتبريين منها، وهي عايشة معانا في بيت العيلة، وجوزها مسافر برة، ومسؤولة عن ابنها لوحدها.
في يوم ٢٨ رمضان، كانت بتحضر الفطار، وحاطة ابنها قدام التليفزيون… وأنا شيلته عشان أقعد مكانه، بس اتزحلق مني ووقع على الأرض. الموقف كان غصب عني، بس وقعته كانت تقيلة وعيط بطريقة خوّفتنا كلنا.
هي خرجت جري من المطبخ، وكانت متوترة جدًا، واتكلمنا… والموقف اتصعّد. أنا اتعصبت وقلت كلام جارح جدًا… كلام لحد دلوقتي مش قادرة أستوعب إني قلته.
اللي حصل بعدها خلاني محتارة أكتر… هي سكتت خالص، مردتش عليا، خدت ابنها واهتمت بيه، وكملت شغلها بهدوء كأن حاجة محصلتش.
وبعد شوية قالت إنها تعبانة وطلعت فوق ترتاح…
ومن ساعتها… اختفت. هي وابنها مش موجودين، محدش عارف عنهم حاجة، تليفونها مقفول، وأهلها أصلاً رافضينها… وجوزها نزل ومش لاقيها.
أنا من ساعتها مش عارفة أرتاح…
حاسّة إني السبب… حاسّة إن كلمة مني ممكن تكون كسرتها وخليتها تمشي.
بس في نفس الوقت بفكر… هل كان جواها تعب أكبر بكتير؟ وهل أنا كنت بس آخر نقطة؟
مش عارفة أعمل إيه… ولا أتعامل مع الإحساس ده إزاي.
عزيزتي،
قرأت رسالتك أكثر من مرة، ليس فقط لفهم ما حدث، بل لفهم ما تشعرين به خلف الكلمات.
واضح جدًا أنك لا تحكين مجرد موقف… بل تحاولين أن تجدي تفسيرًا لإحساس ثقيل اسمه الذنب.
دعيني أبدأ معك من النقطة الأهم:
ما تشعرين به الآن مفهوم، لكنه ليس دليلًا على أنكِ السبب.
من وصفك، هذه السيدة لم تكن تعيش حياة مستقرة نفسيًا من البداية.
امرأة مقطوعة من أهلها، زوجها غائب، مسؤولة وحدها عن طفل، وتعيش داخل بيت ليس بيتها…
كل هذا يضع الإنسان في حالة ضغط مستمر، حالة يُسمّيها علم النفس “ضغط تراكمي”،
وفي هذه الحالة، لا يحتاج الإنسان إلى كارثة كبيرة حتى ينهار… أحيانًا يكفي موقف صغير.
الموقف الذي حدث مع الطفل كان — كما ذكرتِ — حادثًا غير مقصود،
لكن في عين الأم، لم يكن بسيطًا.
الخوف على الطفل قد يفتح أبوابًا من القلق والذعر، خاصة عندما تكون الأم وحدها في مواجهة الحياة.
رد فعلها — الصمت، الانسحاب، ثم الاختفاء — ليس تصرفًا عشوائيًا،
بل غالبًا هو شكل من أشكال الانسحاب النفسي،
حين يشعر الإنسان أنه لم يعد يملك طاقة للمواجهة.
أما عنكِ…
فأنتِ تعترفين أنكِ قلتِ كلامًا جارحًا،
وهذا اعتراف مهم، لأنه يدل على وعيك، وليس على إدانتك لنفسك.
لكن دعيني أكون واضحة معك:
الكلمات الجارحة تؤلم، نعم… لكنها نادرًا ما تكون السبب الوحيد لقرار كبير مثل الاختفاء.
ما حدث على الأغلب هو أن كلماتك جاءت في لحظة كانت هي فيها ممتلئة بالفعل،
فكانت كأنها “النقطة الأخيرة”، وليس “البداية”.
أفهم لماذا يلح عليكِ هذا السؤال:
“هل أنا السبب؟”
لكن السؤال الأدق الذي يجب أن تسأليه لنفسك هو:
“هل كنت أقصد أن أؤذيها؟”
إن كانت الإجابة “لا”،
فأنتِ أمام خطأ إنساني في لحظة انفعال،
ولستِ أمام جريمة أو نية أذى.
في مثل هذه الحالات، يميل العقل إلى تبسيط الأمور بشكل قاسٍ:
يختصر كل التعقيد في جملة واحدة:
“أنا السبب”.
لكن الحقيقة النفسية تقول:
الأحداث الكبيرة نادرًا ما يكون لها سبب واحد.
ما يمكنك فعله الآن لا يتعلق بمعاقبة نفسك،
بل يتعلق بشيئين فقط:
أولًا، الاطمئنان عليها بكل الطرق الممكنة،
ليس بدافع الذنب فقط، بل بدافع الإنسانية.
ثانيًا، إن عادت — وهذا ما نرجوه —
فأفضل ما يمكنك تقديمه ليس تفسيرًا طويلًا،
بل اعتذار بسيط وصادق:
“أنا غلطت… وآسفة.”
وأخيرًا…
أريدك أن تتذكري هذه الجملة جيدًا:
أنتِ كنتِ جزءًا من موقف صعب،
لكن لستِ كل القصة.
امنحي نفسك بعض الرحمة،
فالإنسان لا يُقاس بأسوأ لحظة مرّ بها،
بل بقدرته على الفهم، والتعلّم، والتصحيح.